الشيخ محمد الصادقي الطهراني
138
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الإيمان ، فلا تظهر أخبار الإيمان إلا في تقلب الأحوال ، وعند تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال ، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهن ، فلان الابتلاء بالبأساء والضرّاء ، وبالسعة والنعماء ، إنها تكشف عما هو مخبوء في معادن النفوس ، مجهول لسائر النفوس ، بل ولأصحابها أيضاً ، فإن حب الشيء يعمي ويصم ، ومن ثم تتكشف لها ما خفي عنها أنفسها وقبل أن تظهر أخبارها كما تتكشف لغيرها بعد أن تبلى أخبارها ، فكل بلوى تخلف عَلمين : علامتين ، واحدة سراً لذوات الصدور ، وأخرى جهراً لسائر الناس : ( حتى نعلم . . ونبلو اخباركم ) ! . « يا أَيّهَا الّذينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصّيْدِ تَنالُهُ أَيْديكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ » ( 5 : 94 ) . هنا « يا أيها الذين آمنوا » دون خصوص الحُرُم ، و « بشيء من الصيد » دون تقيد بصيد الحرم ، قد تدل على الحظر عن الصيد كأصل ، فأصله محظور والاعتداء فيه أشد حظراً حيث « فله عذاب أليم » . فحين تنال الصيد الأيدي والرماح بسهولة فهنا الابتلاء ، فليس لغير المحتاج إليه أن يناله على وفره ، وليس للمحتاج أن يناله أكثر من سؤله « 1 » كما وليس للحُرُم نيلٌ منه على أية حال ، فطالما البلوى بالصيد الوفير لغير الحُرُم غير خطير ، فهي للحُرُم خطير خطير . « 2 » وطالما صيد اللهو - حيث لا يعنى إلَّاإياه - حرام على أية حال ، فمطلق صيد البر حرام على الحرم على أية حال مهما كان لحاجة ، وهذه الآية تبيِّن حرمة الصيد كأصل ثم التالية تغلظ حرمته وأنتم حرم .
--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 671 في الكافي علي بن إبراهيم عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي قال سألت اباعبداللَّه عليه السلام عن قول اللَّه سبحانه وتعالي : « يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم اللَّه بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم » قال : حشر عليهم الصيد في كل مكان حتى دنا منهم ليبلوهم اللَّه به ( 2 ) . المصدر عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية قال : حشرت لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله في عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها أيديهم ورماحهم